صباح حراحشة أيُّها الحُب، هل وجدوك !

0 39

أنت لم تقع في الحبِ حتى الآن، فأنت لا زلتَ تقفُ على قدميك. كلُّ أوهامِ المشاعرِ نتجتْ عن فكرةٍ متخيلةٍ خلقتَها أنتَ لشخصيةٍ وهميةٍ ليس لها وجودٌ إلا في رأسِك.

عندما تُحب، أو عندما تظنُ بأنكَ تُحب، فأنتَ تحبُ فكرةً ترسمُ أدقَّ تفاصيلَها في رأسِك، كلُ هذه التفاصيل تناسبُ حاجاتِك أنت، لذلك فأنتَ تُفصِّل محبوبًا على مقاسِ هذه التفاصيل، ثم تسمحُ لنفسِك بأن تقعَ في الحب، نعم تقع، فأنت ترغبُ في التواجدِ في هذا الحيِّزِ المناسبِ لك والذي خلقتَه أنتَ ليتسعَ لكَ بكلِّ تفاصيلِك، ثم تبدأُ بنقلِ ذاتِك إلى ذلكَ الحيِّز المصنوعِ من وهمِ فكرة، وخلالَ هذه العملية تبدأُ في اكتشافِ حقيقةِ الحيِّز الجديد، وتبدأُ في إدراكِ أنَّهُ لا يتطابقُ مع تفاصيلِ فكرتِك، ولكنَّك تقاومُ وتدافعُ عن قناعاتِك وتصوراتِك، فتبدأُ مرحلةَ العذابِ والتنازلاتِ الصّعبةِ والمؤلمة، ولكنّك تبررُها بحلاوةِ مرارةِ الحب وعذوبةِ عذاباتِه، وربما تستعذبُ البقاءَ هناك لفترةٍ طويلة محيطًا نفسَك بخرافةِ أسطورةِ الحبِ والتضحياتِ من أجلِ المحبوب، ولكنك لا تسألُ نفسَك أبدًا لماذا يريدُ هذا المحبوب كل هذه التضحياتِ والقرابين؟ ولماذا لا يرضى ويدخلك جنتَهُ دون عذاب؟

تُدرِكُ متأخرا جدا حقيقةَ هذا الأمر، فأنت ربما لم تكن تُمثّلُ الفكرةَ التي رسَمها المحبوبُ لفارسِهِ في خيالهِ من الأساس، وربما هو لم يكن يشبهُ فكرتَك التي رسمتَها له أنت أيضا، هو يسعى للبحثِ عن وهمهِ وأنت تسعى لتجدَ وهمَكَ أيضا، وكلٌ منكما لم يتطابقْ الآخرُ مع وهمِهِ وفكرتِه التي خلقها بنفسه.

بعد أن تخمدَ سكرةُ الوهم، تبدأُ الحقيقةُ بالتجلي، فالمحبوبُ هو إنسانٌ وليس ملاكا، وهو ليس كُلِّيٌّ بلا عيوب، والأهمُ من ذلك كلِه أنه شخصيةٌ أخرى ربما لا تمتُ بصلةٍ لفكرتِك التي خلقتَها أنت حسْبَ هواك، وهنا بالتحديد تبدأُ الخيباتُ وتبدأُ الظنون ويبدأُ انهيارُ الوهم.

قد يكونُ الأمرُ شاقا جدا لمن عشقَ العَظَمةَ وهامَ في العبقريّة، لمن يُدهشه الذكاءُ ويبحثُ عن الكمال، لمن يشكّلُ فكرته عن المحبوبِ من عقلٍ يتلهفُ للغوصِ فيه. هؤلاء، يتساقطُ التافهون من أعينهِم ومن ذاكرتهِم أيضا كما تتساقطُ أوراقُ الخريف، تحملُ رياحَهم وهمَ الأفكار وتلقي بها بعيدا عن مساحتِهم تماما، فالحبُّ بالنسبةِ لهم فكرةً عصيةً على التحقق وحلما قد تستمرُ رحلةُ البحثِ عنه مدى الحياة، والمحظوظُ فقط هو من يعثرُ عليه.

أيُّها الحب، هل حقا وجدوك؟ أم ظنّوا أنّهم وجدوك؟
في الحب، أنتَ لا تقع، بل أنتَ تتلاشى، تتماهى، تذوبُ بكاملِ إرادتِكَ في المحبوب، تقبلُ بأن تكونَ جزءا من كل، ذرةً في غبارِ من تُحب، ولكنّ هذا الحبيب يفوقُ كلّ تصوراتِك، ولا يشبهُ كلّ توقعاتِك، ليسَ كمثلهِ شيءٌ حقا، تصغرُ أمامَ عظمتِهِ كلُّ الأشياء، كلُّها بلا استثناء!
هناك، في بيتِ الله العتيق،عثرتُ على لحظةٍ من حب، بعد سعيٍ استمر عمرا كاملا،عشتُ هذه اللحظة بكاملِ عظمتِها، لحظةً تمنُحكَ نشوةً تكفي لحياةٍ أبدية، لحظةً كلّما تذكرتُها تعيدُ لي جزءا من ذلكَ الشعور، لأنّهُ لو عاد بكلِّيّتِهِ سيبتلُعُني تماما، سيحرُقُني ويحولُني رمادا وقد لا أُبْعَثُ من جديد إلا إذا امتلكتُ عَظَمَةَ عنقاءٍ تُبعَثُ من رمادِها كلّما احترقَ جناحاها.

في لحظةِ نقاءٍ شفافةٍ وصدقٍ مع الذات، قد تغوصُ في أعماقِ نفسِك وتحاولُ التصالحَ معَها، قد ترتبطُ مع الإلهِ بقَبَسٍ من نور وقد تشعرُ بكلّ كيانِك بأنّك في حضرتهِ كما لم تكنْ يوما، محررا ومنعتِقا من كلّ قيودِ الحياة، في تلك اللحظة، ستجدُ اللهَ في أعماقِك، في أنفاسِك، يحيطُ بك، يحتويك، يحبُّك، فيكونُ هو وتهيمُ أنت. في هذه اللحظةِ فقط سترغبُ بالتلاشي، بالذوبان والتوحّد، ولكنَّ عذوبةَ تلك اللحظة ستخيفكَ جدا، لدرجةٍ تشعرِكَ بأنَّها قادرةٌ فعلا على جعلكَ ذراتٍ من رماد، فتستفيقُ مذهولا وأنتَ لا زلتَ تشعرُ بقوةٍ تجذبُك لعالمٍ لا مثيلَ له، وحبٍ يناديكَ ليسَ كمثلهِ شيء، أو هُوَّةٍ ستبتلعكَ عذوبتُها لو تركتَ روحك تحلقُ نحوها، ولكنّ هذا الجمالُ أكبرُ من قوةِ احتمالِك، وأعظمُ من جُرأتِكَ على مجردِ التفكيرِ في تسليمِ روحِكَ له، روحك التي لو تسنى لها الانعتاقُ حينها، فهي حتما لن تعود!

Loading...