محمد فراويلة يكتب.. لماذا خلق الله الشر ؟

0 17

لماذا خلق الله الشر ؟

..

قال صاحبي ساخراً :

كيف تزعمون أن إلهكم كامل و رحمن و رحيم و كريم ورءوف و هو قد خلق كل هذه الشرور في العالم .. المرض و الشيخوخة و الموت و الزلزال و البركان و الميكروب و السم و الحر و الزمهرير و آلام السرطان التي لا تعفي الطفل الوليد و لا الشيخ الطاعن .

إذا كان الله محبة و جمالاً و خيراً فكيف يخلق الكراهية و القبح و الشر . و المشكلة التي أثارها صاحبي من المشاكل الأساسية في الفلسفة و قد انقسمت حولها مدارس الفكر و اختلفت حولها الآراء .

و نحن نقول أن الله كله رحمة و كله خير و أنه لم يأمر بالشر و لكنه سمح به لحكمة .

{ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَ أَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ (29) } الأعراف – 28 .

الله لا يأمر إلا بالعدل و المحبة و الإحسان و العفو و الخير و هو لا يرضى إلا بالطيب .

فلماذا ترك الظالم يظلم و القاتل يقتل و السارق يسرق ؟

لأن الله أرادنا أحرارا .. و الحرية اقتضت الخطأ و لا معنى للحرية دون أن يكون لنا حق التجربة و الخطأ و الصواب ..

و الإختيار الحر بين المعصية و الطاعة . و كان في قدرة الله أن يجعلنا جميعًا أخياراً و ذلك بأن يقهرنا على الطاعة قهراً و كان ذلك يقتضي أن يسلبنا حرية الإختيار . و في دستور الله و سنته أن الحرية مع الألم أكرم للإنسان من العبودية مع السعادة ..

و لهذا تركنا نخطيء و نتألم و نتعلم و هذه هي الحكمة في سماحه بالشر .

و مع ذلك فإن النظر المنصف المحايد سوف يكشف لنا أن الخير في الوجود هو القاعدة و أن الشر هو الإستثناء ..

فالصحة هي القاعدة و المرض استثناء و نحن نقضي معظم سنوات عمرنا في صحة و لا يزورنا المرض إلا أياماً قليلة .. و بالمثل الزلازل هي في مجملها بضع دقائق في عمر الكرة الأرضية الذي يُحصَى بملايين السنين و كذلك البراكين و كذلك الحروب هي تشنجات قصيرة في حياة الأمم بين فترات سلام طويلة ممتدة .

ثم أننا نرى لكل شيء وجه خير فالمرض يخلف وقاية و الألم يربي الصلابة و الجلد و التحمل و الزلازل تنفس عن الضغط المكبوت في داخل الكرة الأرضية و تحمي القشرة الأرضية من الإنفجار و تُعيد الجبال إلى أماكنها كأحزمة و ثقالات تثبت القشرة الأرضية في مكانها ، و البراكين تنفِث المعادن و الثروات الخبيثة الباطنة و تكسو الأرض بتربة بركانية خصبة ..

و الحروب تدمج الأمم و تلقح بينها و تجمعها في كتل و أحلاف ثم في عصبة أمم ثم في مجلس أمن هو بمثابة محكمة عالمية للتشاكي و التصالح .. و أعظم الإختراعات خرجت أثناء الحروب .. البنسلين .. الذرة .. الصواريخ .. الطائرات النفاثة .. كلها خرجت من أتون الحروب . و من سم الثعبان يخرج الترياق . و من الميكروب نصنع اللقاح .

و لولا أن أجدادنا ماتوا لما كنا الآن في مناصبنا ، و الشر في الكون كالظل في الصورة إذا اقتربْتَ منه خُيلَ إليك أنه عيب و نقص في الصورة .. و لكن إذا ابتعدت و نظرت إلى الصورة ككل نظرة شاملة اكتشفت أنه ضروري و لا غنى عنه و أنه يؤدي وظيفة جمالية في البناء العام للصورة .

و هل كان يمكننا أن نعرف الصحة لولا المرض ..؟!

إن الصحة تظل تاجاً على رؤوسنا لا نراه و لا نعرفه إلا حينما نمرض . و بالمثل ما كان ممكناً أن نعرف الجمال لولا القبح و لا الوضع الطبيعي لولا الشاذ .

و لهذا يقول الفيلسوف أبو حامد الغزالي : إن نقص الكون هو عين كماله مثل اعوجاج القوس هو عين صلاحيته و لو أنه استقام لما رمى .

وظيفة أخرى للمشقات و الآلام .. أنها هي التي تفرز الناس و تكشف معادنهم .

لولا المشقـة سـاد النـاس كُلَهُـمُ …

الجُــودُ يُفـقِــر و الإقــدامُ قَتـّـــالُ …

إنها الإمتحان الذي نعرف به أنفسنا .. و الإبتلاء الذي تتحدد به مراتبنا عند الله .

ثم إن الدنيا كلها ليست سوى فصل واحد من رواية سوف تتعدد فصولها فالموت ليس نهاية القصة و لكن بدايتها . و لا يجوز أن نحكم على مسرحية من فصل واحد و لا أن نرفض كتاباً لأن الصفحة الأولى لم تعجبنا .

الحكم هنا ناقص .. و لا يمكن استطلاع الحكمة كلها إلا في آخر المطاف ..

ثم ما هو البديل الذي يتصوره السائل الذي يسخر منا ؟ !

هل يريد أن يعيش حياة بلا موت بلا مرض بلا شيخوخة بلا نقص بلا عجز بلا قيود بلا أحزان بلا آلام .

هل يطلب كمالاً مطلقا ؟ ! .. و لكن الكمال المطلق لله .

و الكامل واحد لا يتعدد .. و لماذا يتعدد .. و ماذا ينقصه ليجده في واحد آخر غيره ؟ !

معنى هذا أن صاحبنا لن يرضيه إلا أن يكون هو الله ذاته و هو التطاول بعينه .

و دعونا نسخر منه بدورنا .. هو و أمثاله ممن لا يعجبهم شيء . هؤلاء الذين يريدونها جنة ..ماذا فعلوا ليستحقونها جنة ؟

و ماذا قدم صاحبنا للإنسانية ليجعل من نفسه الله الواحد القهار الذي يقول للشيء كن فيكون ؟ .

إن جدتي أكثر ذكاء من الأستاذ الدكتور المتخرج من فرنسا حينما تقول في بساطة : ” خير من الله شر من نفوسنا ” .

إنها كلمات قليلة و لكنها تلخيص أمين للمشكلة كلها ..

فالله أرسل الرياح و أجرى النهر و لكن رُبّان السفينة الجشع ملأ سفينته بالناس و البضائع بأكثر مما تحتمل فغرقت فمضى يسب الله و القدر .. و ما ذنب الله ؟! ..

الله أرسل الرياح رخاءً و أجرى النهر خيراً ..

و لكن جشع النفوس و طمعها هو الذي قلب هذا الخير شراً .

ما أصدقها من كلمات جميلة طيبة ..

” خير من الله شر من نفوسنا ” .

~

من كتاب: حوار مع صديقي الملحد

Loading...