نُصبت المشانق لضحايا دنشواى

0 26

عندما أراد نفر من الناس إقامة حفل تكريم للقاضى والمترجم الراحل أحمد فتحى زغلول (1863- 1914) وذلك بمناسبة تعيينه وزيرا للحقانية ( العدل لاحقا)، وبلغ أمير الشعراء أحمد شوقى دعوة لحضور الحفل والمشاركة بأحد روائعه الشعرية، اختار شوقى أن يكون شعره حاضرا عوضا عنه. فأرسل مظروفا مغلقا. وعند فض المظروف، كان يتضمن أبياتا أبعد ما تكون عن التهنئة والتبجيل، وردت أبيات شوقى كالتالى:

إذا ما جمعتم أمركم وهممتمو..

بتقديم شيء للوكيل ثمين

خذوا حبل مشنوق بغير جريرة ..

وسروال مجلود وقيد سجين

وقد لاتعرضوا شعرى عليه فحسبه..

من الشعر حكم خطه بيمينى

ولا تقرأوه فى ( شبرد) بل اقرأوا..

على ملأ فى (دنشواي) حزين!

لا يعلم أحدهم إن كانت الأبيات التى كشفت عنها مجلة «أبولو» الثقافية بعددها الصادر فى مارس 1933، قد بلغت مسامع وعلم أحمد فتحى زغلول، الشقيق الأصغر للزعيم سعد زغلول، والمعروف بتعدد إنجازاته فى مجالات القضاء والتشريع القانونى والترجمة، إذ كان من ألمع أسماء حركة الترجمة عن الإنجليزية والفرنسية نهايات القرن التاسع عشر.

ولكن الأكيد، أن أحمد فتحى زغلول الذى ساهم فى إصدار الأحكام القضائية المتعجلة بقضية «دنشواى»، ومنها إعدام وجلد عدد من فلاحى القرية بالمنوفية أمام ذويهم، ظل مدانا من المجتمع المصرى، إدانة لم يقبل فيها استئناف حتى اليوم. وكذلك كل من تورط فى الحوادث التى عرفت بـ «مذبحة دنشواى»، والتى بدأت وقائعها يوم 13 يونيو 1906، وتصاعدت بشكل درامى متسارع وصل للذروة المؤسفة حتى قبل إدراك أطرافها معنى ما يجرى ودلالاته.

ولكنها مهدت بدراميتها المؤلمة ليس إلى تحقيق مفتعل غير حقيقى مع فلاحى «دنشواى»، وأحكام ظالمة. ولكن الأهم أنها مهدت لتحقيق لا نهاية له وأحكاما عظيمة العدل بحق جلاديهم، وأبرزهم الاحتلال الإنجليزى ذاته ومندوبه السامى وقتها اللورد كرومر، أو إيفيلن بارنج، الذى أجبر على تقديم إستقالته عام 1907.

دنشواى.. بداية الدراما المؤلمة:

فى عدد «الأهرام الصادر بتاريخ 14 يونيو 1906، وردت أول إشارة إلى أحداث «دنشواى»، وذلك تحت عنوان « حادثة دنشواى بين الضابط الإنجليز والاهالى». والعنوان، جاء كالتالى: « ذهب بعض الضباط مع طبيب ورطتهم للصيد فى دنشواى من مديرية شبين الكوم فأطلق بعضهم عيارات نارية اصابت بعض النساء والرجال فغضب الاهالى لمنظر الجرحى وقاموا بمظاهرة ضد الصيادين ذكرها مكاتبنا فى تلغرافاته والذى نأسف له انه نجم عن هذه المشاجرة قتل ضابط من ضباط جيش الاحتلال»..

وتوضح التغطية المبكرة للحادثة خلال الأيام التالية، أن حوادث دنشواى انتهت إلى مقتل أحد الضباط الإنجليز ويدعى سيمور كلارك بول، من مواليد 28 أبريل 1876. وذلك بعد شيوع الهرج والمرج بين أهالى «دنشواى» والضباط الخمسة الزائرين، وتحديدا إثر نيل رصاصات الضباط الصيادين من جرن أحد المنازل لتشتعل فيه النيران، وتجد إحدى الرصاصات طريقها إلى السيدة «مبروكة»، قرينة محمد عبدالنبى، مؤذن القرية.

التزمت التغطية بالتأكيد على ضرورة متابعة التحقيقات، وبدأت لاحقا فى إبراز عدم مسئولية الأهالى عن مقتل الفقيد بول، فنشرت «الأهرام»، مثلا، بتاريخ 16 يونيو 1906، ما يلى: «وقد حكم الاطباء بأن وفاته كانت بالسكتة القلبية لا بالجرح مباشرة أما الضرب الذى نجمت عنه السكتة القلبية فإنه اصاب رأس الفقيد الذى سار بعد جرحه ثلاثة أميال».

وتستطرد «الأهرام» فتذكر: «أما حقيقة المسألة فإنها لم تظهر حتى الآن بتمامها فالمقامات الانكليزية تقول إن الضباط الخمسة كانوا مدعوين إلى مأدبة عند عبدالمجيد بك سلطان وبعد المأدبة ذهبوا إلى دنشواى لصيد الحمام فذهب القتيل والكومندان إلى جهة الأجران، وذهب الثلاثة الاخرون إلى ناحية أخرى وكانت الساعة الخامسة. وفى تلك الساعة ينزل الحمام على الجرن للأكل، فأطلق القتيل ورفيقه النار على الحمام فجاء الغفير وبعض الأهالى لمنعهم فلم يمتنعوا وارادوا ان يأخذوا منهم السلاح فأبوا تسليمه وانطلق الطلق النارى فأصاب امرأة على النورج فجرحها واشعل النار بالجرن، وهنا نقطة الاشكال فهل أطلق الضابط بندقيته عمدا على الناس أو أن تلك البندقية انطلقت صدفة كما يقول الانكليز فاصابت المرأة؟ فلما رأى الأهالى النار تتقد فى جرنهم والمرأة قتيلة والضباط يصوبون اليهم البنادق ولا يسلمونها زاد غضبهم وانهالوا عليهم ضربا وركض رفاقهم الثلاثة لإغاثتهم وتمكنوا من الفرار حتى وصلوا إلى ترعة تفصل بينهم وبين كمشيش حيث يعسكر جنودهم، فسقط القتيل من شدة الإعياء، فرآه رجل وطنى فجاءه لإغاثته فظن رفاق القتيل أنه يجهز عليه فضربوه حتى قتلوه»…

دنشواى.. محاكمة مشهودة:

لاحقا وبتاريخ 23 يونيو 1906، صدرت لائحة الاتهام بحق 51 شخصا معتقلين لدى السلطات، فيما شملت الاتهامات 8 فى حكم الغائبين. وأشارت «الأهرام» إلى فريق الدفاع عن المتهمين، وكان مؤلفا من الأسماء التالية: «حضرات إسماعيل بك عاصم وأحمد لطفى بك السيد ومحمد بك يوسف وأحمد بك توفيق».

وفى استعراض ما كان من أجواء المحاكمة التى لم تزد على ثلاثة أيام فقط لا غير، أشارت «الأهرام» فى عددها الصادر بتاريخ 25 يونيو من العام ذاته إلى ما يلى: «لم تر شبين الكوم عاصمة مديرية المنوفية يوما كهذا وشبين مدينة كبيرة فيها مدرسة أميرية ومدرستان للمساعى المشكورة ومدرسة للاقباط ومدرسة لليونان واخرى للانكليز وغيرها للاهالى وفيها كثير من الجوامع والمتنزهات العديدة التى لا توجد فى غيرها من البنادر وثلاث لوكاندات وفيها يمر رياح المنوفية على كوبرى يصل قسمى البندر.»

ويكمل «الأهرام»: «ومن يومين توافدت الجماهير على هذا البندر لاكتراء اسرة باللوكندات والاستعداد لحضور المحكمة المخصوصة التى سيحاكم فيها أهالى دنشواى .. أما ازدحام المدينة فحدث عنه ولا حرج فان بعض الزائرين لم يجدوا اسرة باللوكندات للنوم وتعالت الاجور حتى بلغت اجرة السرير الواحد جنيها ففضل بعضهم الذهاب إلى طنطا فى القطار الأخير والعودة إلى شبين فى أول قطار يقوم صباحا وارتفعت اسعار المأكولات وازدحمت القهوات».

«اما دنشواى التى حدثت فيها حادثة الاعتداء فهى بلدة ريفية تبعد عن شبين الكوم ساعتين برا وهى قريبة من سرسنا واقرب محطة اليها البتانون وفى هذه البلدة مسجد مخرب وكتاب أهلى ولها عمدة ومشايخ يساعدونه على العمل وشيخ خفراء وخفراء معه وبها كثير من أبراج الحمام ملك الاهالى الذين يقتاتون منه نتاجه وصيد الحمام كما هو معلوم محرم قانونا».

جرت وقائع المحاكمة، وتخللها ما كان من دور إبراهيم الهلباوى باشا، ممثل الادعاء، والذى استخدم أشد العبارات فى عرض لائحة الاتهام والمطالبة بالقصاص من المصريين العزل، حتى إنه فند تقرير الطب الشرعى الذى أكد وفاة الفقيد بول بفعل «ضربة الشمس» التى نالت منه أثناء محاولة الفرار من فعلته في دنشواى، ورغم ماكان للهلباوى بعد ذلك من مواقف عديدة دفاع عن المصريين فى قضايا مختلفة وتوليه رئاسة نقابة المحاميين عن تأسيسها لأول مرة، إلا أن لقب «جلاد دنشواى» الذى أطلقه عليه الشاعر حافظ إبراهيم ظل ملازما له حتى وفاته، حتى بات اسم «الهلباوى» لاحقا مرادفا لإمكانية «قلب الحقائق» لغير صالح أهل الحق.

وانتهت المحاكمة إلى ما كان متوقعا من إدانة عنيفة بحق المتهمين، وذلك رغم ما قيل حول عدم تدخل أحدهم فى مقتل الفقيد بول. وبتاريخ 29 يونيو 1906، خرجت «الأهرام» بعنوان : «انفاذ الأحكام فى دنشواى»، وتضمنت التغطية تفاصيل وافية حول نصب المشانق لإعدام أربعة من المتهمين هم: حسن محفوظ، ويوسف سليم، والسيد عيسى سالم ومحمد درويش زهران. وبدأ تنفيذ باقى الأحكام المتفاوتة ما بين سجن مشدد وجلد وخلافه.

خرجت الأحكام غاشمة، ولكن المسألة لم تنته هنا، إذ فتحت «دنشواى» أبواب محاكمة أكبر للاحتلال الإنجليزى فى مصر وذلك داخل بريطانيا ذاتها، كما جرى من انتقادات نشرها الكاتب الكبير جورج برنارد شو، وأثارت غضب كثيرين أبرزهم الزعيم الشاب مصطفى كامل، ومهدت إلى ثورة 1919 تمهيدا عظيما. ولهذه التداعيات قصة أخرى فى عدد آخر وفقا للأهرام.

Loading...