في ذكرى رحيل زكي رستم، تتجلى أمامنا مدرسة فنية متكاملة في فن التمثيل، حيث تتداخل عناصر الصمت والكلام، والنظرة والجملة الحوارية، فكان حضوره بمثابة جدار صلب في الكادر، لكنه جدار نابض بالحياة، مشحون بتوتر داخلي دائم، لم يكن يؤدي الدور بل كان يذوب فيه حتى يختفي الممثل ويبقى الإنسان.
من منظور نقدي، يُعتبر زكي رستم من رواد ما يُعرف بـ«التمثيل الداخلي» في السينما المصرية، إذ اعتمد على الاقتصاد الحركي، حيث تصبح الحركة القليلة ذات دلالة مكثفة، واستند إلى البنية النفسية للشخصية قبل الشكل الخارجي، مما أضفى على شخصياته تاريخًا خفيًا يظهر في طريقة جلوسه، ونبرة صوته الثقيلة، وبطء التفاته.
هذا الاشتغال الداخلي يقترب – وإن لم يُعلن ذلك – من منهج المعايشة، الذي يجعل الممثل يعيد تشكيل خبرته الشعورية كي تتطابق مع انفعالات الشخصية، ولذلك بدت شخصياته دائمًا مقنعة، لا لأنها تشبه الواقع فحسب، بل لأنها تجسد عمق تجربة إنسانية حقيقية.
زكي رستم في ذكري رحيله
امتلك زكي رستم صوتًا جهوريًا مميزًا، لكنه لم يتعامل معه كوسيلة استعراض، بل كأداة درامية لبناء السلطة أو كشف الهشاشة، ففي أدوار الباشا أو الرجل المتسلط، كان صوته ينزل كحكمٍ نهائي، حاسم الإيقاع، قليل التردد، أما حين يؤدي شخصية مأزومة أو مكسورة، كان يخفّض طبقته، ويُدخل في النبرة ارتعاشة خفية، كأن الصلابة تتشقق من الداخل.
إن التحكم في الإيقاع الصوتي لديه كان جزءًا من هندسة الأداء، فالجملة لا تُقال دفعة واحدة، بل تُبنى تدريجيًا، تتصاعد ثم تستقر، مما يمنح المشهد توترًا محسوبًا.
جسد زكي رستم لم يكن جسدًا مرنًا بالمعنى الاستعراضي، بل كان جسدًا مؤطرًا؛ كتفان عريضان، وقفة مستقيمة، حركة محدودة، ولكن هذا التحديد الجسدي تحوّل إلى قيمة جمالية، إذ خلق تناقضًا بين الصلابة الخارجية والانفعال الداخلي، وكثيرًا ما كان يترك للعينين مهمة التعبير، فتفضحان ما يحاول الجسد كتمانه، وهنا تتجلى عبقريته: كان يعرف متى ينفجر ومتى يصمت، فالانفعال لديه ليس ذروة دائمة، بل لحظة محسوبة تأتي بعد تراكم، لذلك تبدو صرخته – إن صرخ – نتيجة حتمية لمسار درامي، لا مجرد تأثير عابر
غالبًا ما أُسندت إليه أدوار الرجل الأرستقراطي أو الأب الصارم أو الشخصية ذات الهيبة، غير أن القراءة النقدية تكشف أنه لم يقع أسير النمط، بل كان يُدخل فروقًا دقيقة بين شخصية وأخرى، وقد يتشابه القالب الخارجي، لكن البناء النفسي مختلف: هنا طاغية يخفي خوفه، وهناك أب قاسٍ تحركه عقدة فقدان، وثالث يتشبث بالسلطة لأنه عاجز عن الحب، بهذا المعنى، كان زكي رستم يشتغل داخل حدود الصناعة، لكنه يوسّعها من الداخل، ويمنح الشخصية طبقات تتجاوز سطحها المكتوب
وفي ذكرى رحيله، يبقى السؤال: لماذا لا يبهت حضوره مع الزمن؟ لأن أداءه لم يكن مرتبطًا بزمنه فقط، بل بفكرة أعمق عن الإنسان وصراعاته، ولم يكن ممثلًا يؤدي أدوارًا، بل فنانًا يصوغ ملامح السلطة، والخوف، والغيرة، والندم، بوعي درامي صارم، لقد كان زكي رستم أحد أولئك الذين جعلوا من التمثيل فعلَ صدقٍ لا ادعاء فيه، ومعايشة لا محاكاة، وحين نعود اليوم إلى مشاهده، لا نشاهد تاريخًا أبيض وأسود، بل نرى ممثلًا ما زال حيًا في أدائه، كأنه يقف أمام الكاميرا الآن، يعيد تعريف معنى أن «تتقمص» الدور حتى يصبح هو أنت… وتصبح أنت هو
المصدر : وكالات















