عقدت أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ، اليوم الأحد، ندوة علمية متخصصة تحت عنوان: “استشارات طبية واجتهادات فقهية رمضانية”، وذلك في إطار مواكبة المستجدات العصرية وربط الفتوى بالعلوم التطبيقية.
شارك في الندوة كل من أ.د/ حسن الصغير، رئيس الأكاديمية، وأ.د/ محمود صديق، نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا والبحوث، إلى جانب أ.د/ جمال أبو السرور، مدير مركز الأزهر العالمي للبحوث والدراسات السكانية، وأ.د/ عبد الوهاب لطفي، مدير مركز الأزهر للحساسية والمناعة.
أكد أ.د/ حسن الصغير، في كلمته الافتتاحية، على أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وأن الأزهر الشريف يحرص على معالجة القضايا برؤية متجددة تواكب العصر دون الانسياق خلف “التريندات”، مشيرا إلى أن الفتوى الطبية أصبحت تقوم على جهد تخصصي دقيق، موضحًا أن المناط إذا كان طبيا، فالفتوى تخرج من الطبيب، والفقيه فيها يكون أسير العلم الطبي الدقيق.
وأضاف فضيلته أن المتغير في العلوم الطبية يقابله تغير في الاجتهاد الفقهي، مبينا أن تطور وسائل التشخيص، وتنوع الحالات المرضية، واختلاف درجات الخطورة من مريض لآخر، يجعل تقدير القدرة على الصيام مسألة طبية تخصصية في المقام الأول، يعقبها النظر الفقهي في ضوء القواعد الكلية للشريعة ومقاصدها في حفظ النفس ورفع الحرج.
ومن جانبه، شدد أ.د/ محمود صديق على أن الأزهر الشريف يمتلك سلاح العلم الرصين في مواجهة القضايا المستجدة، مستشهدًا بموقف الإمام حسن العطار الذي أصدر فتوى بإتاحة دراسة علم التشريح لفهم علوم الطب، في وقتٍ اشتد فيه رفض بعض الناس لتشريح الموتى بدعوى حرمتهم، موضحا أن هذا الموقف التاريخي جسّد منهج الأزهر في تقديم مصلحة العلم النافع وخدمة الإنسان، مع الحفاظ على الضوابط الشرعية وصيانة كرامة الميت، مؤكدًا أن الأزهر كان ولا يزال سبّاقًا في الجمع بين أصالة الفقه ودقة العلم لمواجهة تحديات كل عصر.
وأوضح نائب رئيس جامعة الأزهر للدراسات العليا أن الفتوى الصحيحة تحتاج إلى تكامل بين الطبيب والفقيه، مشيرًا إلى أن الله لا يريد بالإنسان مشقة من الصيام؛ بل يحمل له خيرا كثيرا وأجرا عظيما، مقدمًا نصائح طبية للصائمين بضرورة التؤدة في تناول الطعام وتجنب الإسراف، متابعا لو علم الناس فوائد الصيام الطبية لتمنوا أن تكون السنة كلها رمضان، على غرار الأجر والثواب العظيم لأداء الفريضة من الله سبحانه وتعالى.
وتناول أ.د/ جمال أبو السرور الجانب التطبيقي للصيام، حيث قدم روشتة طبية متكاملة بعنوان “كيف نصوم صحيحًا؟”، شملت أهمية وجبة السحور، والابتعاد عن السكريات عند الإفطار، مؤكدا أن الصيام يمنح الجسم فوائد جمة ذهنيًا وجسديًا، لكنه حذر من المخاطر التي قد تتعرض لها الحامل وبعض مرضى السكري، مؤكدًا أن “الضرر يبيح الفطر” وأن الرخصة الطبية قائمة على وجود الخطر الصحي.
وكشف أ.د/ جمال أبو السرور عن ريادة تاريخية للأزهر الشريف في مجال الفتاوى الطبية، مشيرًا إلى أن التعاون المؤسسي بين الطب والشريعة تجلّى بوضوح في 20 مارس 1980، حين أصدر فضيلة الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق، شيخ الأزهر آنذاك، فتوى رائدة حول قضية «أطفال الأنابيب»، تناولت برؤية فقهية متقدمة مسائل التبرع بالبويضات والخلايا المنوية، وإمكان تغيير الصفات الوراثية، والرحم الصناعي، وهي قضايا لا تزال محل نقاش علمي وفقهي عالمي حتى اليوم، مضيفا: «كنت أعرض رأي الأزهر في المحافل الدولية، فكان كثيرون يُبدون إعجابهم بسبق الأزهر ورؤيته المتوازنة والمتطورة في هذا المجال، التي جمعت بين الضبط الشرعي والدقة العلمية وخدمة الإنسان.
وفي كلمته، أكد أ.د/ عبدالوهاب لطفي، أن الصيام من النعم العظيمة على المسلمين، لما له من أثر في تجديد نشاط الجسم، مشيرًا إلى أن الإسراف في الطعام قد يُغير الوظيفة الجينية للإنسان ووظائف الخلايا، بما ينعكس سلبًا على كفاءة أجهزة الجسم على المدى البعيد.
وأوضح أن الصيام تميّز بين العبادات بسبق ذكر الرخصة فيه قبل بيان هيئته وأحكامه، حيث أُبيح الفطر للمريض والمسافر رفعًا للحرج ودفعًا للمشقة، في دلالةٍ واضحة على أن مقاصد الشريعة تقوم على التيسير وحفظ النفس، ودعا إلى ضرورة التكامل بين الطبيب والفقيه في توعية المجتمع بالمسؤولية الطبية والشرعية تجاه الصيام والإفطار، خاصة في حالات الأمراض المزمنة أو الحرجة التي قد يترتب على الصيام معها ضرر محقق أو محتمل، مؤكدًا أن حفظ الحياة وسلامة البدن مقصد شرعي أصيل تُراعى لأجله الرخص، بما يحقق العبادة على بصيرة ويصون الإنسان من الأذى.
تأتي هذه الندوة تأكيدًا على حرص أكاديمية الأزهر العالمية لتدريب الأئمة والوعاظ على تقديم معالجة علمية متكاملة للقضايا المجتمعية، من خلال التكامل بين الخبرة الطبية والرؤية الشرعية، بما يسهم في تعزيز الوعي الصحي والديني الصحيح خلال شهر رمضان المبارك.
المصدر : وكالات















